الشيخ محمد هادي معرفة
452
التفسير الأثرى الجامع
لأجل الموعظة والاعتبار . فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية ولا بدّ أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ، ما يدلّ على استحسان الحسن واستهجان القبيح وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكيّ عنهم ، وإن لم تكن صحيحة في نفسها . وهذا الأسلوب مألوف ، فإنّنا نرى كثيرا من كتّاب العربيّة وكتّاب الإفرنج ، يذكرون آلهة الخير والشرّ في خطبهم ومقالاتهم ، لا سيّما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريّين القدماء ، ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنيّة . وقد جاء ذكر السحر في مواضع متعدّدة في القرآن وأكثره في قصّة موسى وفرعون ، وذكر هنا في الكلام عن اليهود . وإذا أردنا فهمه من عرف أهل اللغة وجدنا أنّ السحر عند العرب : كلّ ما لطف مأخذه ودقّ وخفي ، وقالوا : سحره وسحّره بمعنى خدعه وعلّله . وقالوا : عين ساحرة وعيون سواحر . وفي الحديث : « إنّ من البيان لسحرا » . قال الأستاذ الإمام : في قوله : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وجهان : أحدهما متّصل بقوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي إنّ الشياطين هم الّذين يعلّمون الناس السحر . والثاني - وهو الأظهر - أنّه متصل بالكلام عن اليهود « 1 » وأنّ الكلام عن الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم . وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورا في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم . ثمّ قال تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصّة كانوا يتحدّثون بها ، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو ؟ أشعوذة وتخييل ، أم خواصّ طبيعيّة ، وتأثيرات نفسيّة ؟ وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز ، انفرد به القرآن . يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات ، لأجل الاعتبار به ، فينظّمه في أسلوب يمكن لكلّ أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده . ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى بأساليب لا يستطيع
--> ( 1 ) في قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ . . . يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ جملة حاليّة عن ضمير الجمع من اتّبعوا .